ابن رشد

63

مجموعة الرسائل ( تسع رسائل )

كانت من الدم فالدم ضرورة من اسطقسات مختلفة ، وذلك أن الدم الذي يخلق منه الجنين ، يجب أن يكون الجزء الذي يخلف منه العظم غير الجزء الذي يخلق منه اللحم ، وكذلك الحال في عضو عضو ، فيخلق من الجزء البارد اليابس الذي فيه العظم ومن الحار الرطب اللحم ، ومن البارد الرطب الدماغ ، ومن الحار اليابس العروق الضوارب . ( 139 ) وكذلك غذاء كل واحد من الأعضاء يكون من العنصر الشبيه به . وإذا كان الدم بهذه الصفة فالجزء اليابس الذي فيه هو الصفراء ، لأن الصفراء حارة يابسة ، والجزء الذي فيه البارد الرطب هو البلغم ، والجزء البارد اليابس هو المرة السوداء ، والحار الرطب هو الدم الخالص نفسه . وقد يشهد لهذا ما نرى من اختلاف أجزاء الدم ، فإنا نرى فيه ما هو أسود لغلبة السوداء عليه ، وما هو أحمر رقيق لغلبة الصفراء عليه ، وما هو أبيض غليظ لغلبة البلغم عليه . وهو وإن كان واحدا في الحس ، فهو في ذلك كاللبن ، فإنه كما أن اللبن إذا فسد قد ينحل إلى جبنية ومائية ، كذلك الدم إذا فسد انحل إلى جزء شبيه بالمائية التي في اللبن ، وإلى جزء غليظ شهبيه بالجبن وهو كالتفل العكر الذي فيه . وقد نرى في الدم خيوطا إذا عزلت عن الدم لم يجمد الدم ، فالدم كما قلنا يظهر اختلافه في لونه وقوامه إلى أجزاء شبيهة بالأخلاط الثلاثة ، فهو ضرورة مركب منها . ( 140 ) قلت : قال جالينوس إن هذا البرهان ليس بقطعى من قبل أنه إذا كانت في الدم أجزاء حارة يابسة على لون الصفراء ورقتها ، وأجزاء باردة يابسة على لون السوداء وغلظها وأجزاء باردة رطبة على لون البلغم وغلظه ، وكانت الصفراء حارة يابسة بذلك اللون ، والقوام الذي يظهر في الدم ، والبلغم باردا رطبا بذلك اللون والقوام الذي يظهر في البدن ، والسوداء باردة يابسة بذلك اللون